بحـــــــــر يتلون 1 . بحر الذكرى 
شرفة منزلنا قريبة من الشاطئ، فلا تكاد تومئ برأسك حتى يلفعك نسيم البحر العليل، وغرفتي التي بجانب الشرفة تجعل منظر الأصيل حيث تغرب الشمس في البحر منظرا أحرص أشد الحرص على متابعته. أقنعت نفسي بهذه الفكرة، لكن أبي عبثا كان يشرح لي اختفاء الشمس، ولأن الشمس كبيرة تضيء منزلنا في تطوان، وتضيء مكان الاصطياف والمدرسة وأي مكان أذهب إليه، فلابد أن البحر كبير مثل السماء.
أقف مشدوها أحملق في هذه الزرقة المشتعلة، وكأنني أنتظر أجوبة تؤكد رؤيتي وتدحض فكرة أبي. استمرت علاقتي بالبحر تنمو..وتكبر حتى أصبحت أعتلي موجه. أبي عبثا ينصحني بأخذ الحيطة والحذر. لكن البحر يخرج ما لا ينتمي إلى صلبه قلت لنفسي، وتمنيت لو يفهم أبي الأمر، فالبحر لا يمكن أن يقبل بي ضيفا في أغواره. أكيد أنه يرمي كل ما يشوه بهاءه؛ إذ تلفت نظراتي كل صباح تلك الأشياء الغريبة من أحذية ممزقة وبقايا قنينات ومواد خشبية ترسو على حافة الشاطئ. إنه البحر، وحده يعين من ينتمي إليه، وكم منيت نفسي أن يحتضنني يوما إلى الأبد. كبرت مرة ثالثة، أبي رحل..وظلت أمي وفية لذكراها، حيث نصيف كل سنة في المكان المعهود..وظل البحر موحشا يذكرني بنصائح الوالد التي لم تتخلص منها ذاكرتي رغم صغرها، هنا كان أبي يجلس يصطاد أبي في هذا المكان، وهناك تحت المظلة استراح إلى الأبد.
تلك الشمس تبدو بعيدة، وكأن البحر يبتلعها، تدخله ببطء. أتأمل ذاك المكان الذي ابتلع جزءا من واقعي في هذه المدينة. كان شابا طموحا، يفكر فيما يأتي، وفي دراسته تفوق على غيره، يعرف كيف يثبت موقفه من العالم. لكن الزمن لم يسعفه حتى يصبح إنسانا له مواقف تحترم ويعيش من أجلها، ظلت تحليقاته الكثيرة مجرد أحلام لم تتجاوز أسوار الجامعة. كنا ندرس قرب البحر، لهذا وعدنا بأشياء كبيرة وأخلف وعده، نعم يستمع لبوحنا وحماقاتنا، ويبقى صامتا، حتى حسبنا أن صمته علامة رضاه..تلك الأحلام جعلتنا نعيش حالة ضياع، حيث يمتد طوافنا اليومي من بداية المتاهة إلى نهايتها، ولا جديد يذكر مع غروب شمس الأصيل.. في منطقة مختفية من نفسه قرر وحسم، لأول مرة اتخذ قرارا انفراديا دونما استشارتي.. أوحى لي بفكرته خمنت ولم أهتد إلى جواب شاف، احترمت قراره، نعم نوى الابتعاد عن ساحلنا واللقاء بأقرب ساحل يستوعب قبس أحلامه المشتعل، ولأنني تحمست لفكرته وشجاعته التي لا أملكها، ورأيت أن حلمه جزءا من أحلامي.. أقرضته ما بحوزتي..وجمع ما جمع..ركب رحم الليل والتحق بنوارس حالمة، مثله هائمة، تبحث عن سؤال يقيها مرارة الواقع..فكان..لم يخبرني بالموعد والطريقة..سار يمخر عباب هذا المتوسط، يصارع مجهولا طالما اعتقدنا طيبوبته، كان طموحا، وطموحه لم يتجاوز تلك الرمال التي نحتنا فيها أحلامنا وهواجسنا..كم كانت صدمتي يا بحر حينما لفظت أحلامي وشتتها على رمال سوداء قاتمة، لا تصلح للرثاء حتى. هل كنا رومانسيين إلى هذا الحد؟ أجوبة أبي كانت صحيحة، فأنت أناني تأكل أحلامنا لتعيش.
وكان البحر موعد الغروب ينتظر أسئلة البوح، وتأخرت في التفكير هي لم تأت، أخلفت موعدها، أنجزت عددا من السيناريوهات لعل فراستي تجيب، هل تتمنع أم هذا آخر انتظار؟ هكذا كلمتني أمواج البحر، أتراها تتنكر، وأنا الذي آمنت أن الإنسان هو هو لا يتغير..نصف ساعة تكفي، أكل الساعات تكفي..كل سيناريو أنجزه ينهار كسؤال مارد يمحقه عباب الوجود، نعم فشلت السيناريوهات..والزمن تجمد في، لم تعد سوى نسمة هذا الممتد تناوش نظري، أجيل به في أعماق المتوسط، فلا أرى شيئا، أثلج صدري بالانتظار. المبررات كانت أقوى منها، ورياح الشمال عاتية، هي لم تحسم شيئا، ظلت سؤالا معلقا..وهذا ما أعاقني..هل خنت القسم وتنكرت لها. الرياح كانت قوية وصوتها بدا شاحبا، وأبوها أصر على موقفه. وصوتي أصابته الحبسة واكتفيت بالنظر..سأقول في نفسي حياتي المتقلبة لا تسمح لي، ومصروفي لا يكفيني، أحبك لكن لا أقدر على خبز الشعير بزيت الزيتون، هل هي لعبة..أم ماذا..هي لم تأت لنصحح أخطاءنا ونتبادل الذكرى، ونعلن رفضنا معا. المتوسط كان شاهدا..هل البوح خائن؟ كنت الوحيد من يعرف كل شيء، لكن كعاداتك لم تسعفني في شيء، هل كنت صادقا معها؟ أنتظر كثيرا. فربما أصاب بنوبة جنون أو برد تخلصني من ورطة الانتظار..وهي لم تأت لنضع أحلامنا أمامك..هي هي.. سأنتظر زمنا آخر عساها..أتذكر نصيحة الحاج الحب صعب والبحر لا يلفظ سوى الأشياء التي لا تنتمي إلى عالمه.. هل أنا هين أمامك يا بحر..وأنت الذي علمتني كيف أحب دون سؤال وأن أسامح..البوح صعب والغروب محقه النحيب.

دارنا عامرة، تعج بالأصوات. أمي تترأس مجلس الأمداح، حيث تحتشد نساء الحي لأداء طقس أسبوعي، يبدأ بالوعظ والإرشاد وينتهي بالإغماءات وتمزيق الملابس وخربشات على الوجوه. كان طقسا روحيا. أبي لا يحب هذه الطقوس، لكن قوة أمي فرضت توجهها على دارنا في كل شيء، حتى عادات أبي.
ولعل أمورا كنت أجهلها جعلت دارنا عامرة. فجميع المطبات التي تقع فيها نساء الحي ورجالاته تحل بدارنا.
كنت في السابعة عشرة من عمري، أجاهد من أجل شهادة نهاية السنة، حتى أرحل. ولأني آخر عنقود الفراش، سمحت لي أمي أن أراقب طقسها الأسبوعي إيماء. نساء عريضات مثل الفيَلة يحملن دفوفا، يسدنها بحركات لطيفة، يضعنها فوق المجامير لتصبح أوتارها أشد صلابة مثل قلب أمي.
يتجمهرن في فناء الدار العتيق، يفترشن الزرابي، يتكئن على سرر مرفوعة مصنوعة لهذا الغرض. يأكل الصمت مقامهم، أمي تبدأ خطبتها، تستعيد فيها زمنها الأول، حينما كانت أمنا الكبيرة تعشق الله حبا وليس خوفا، تخترق خوف الأخريات، تنهمر الدموع.. تحلق الأرواح عاليا، تلامس زمنها تتشظى إلى فسيفساء لا لون لها. يسرع الجميع إلى التهليل والاصفرار والحشرجات ثم العويل، بعدها بقليل تنساب دقات الدفوف لتحمس مجلس الأرواح الثائرة...
الخميس مقدس..يحرم على أبي والذكور من إخوتي ولوج الدار حتى ساعات متأخرة، عندما تصبح أمي ورفيقاتها مثل نسمة ريح عارضة، فقط رائحة البخور وأنين متقطع يتصاعد ويخبو. يومها لا تتكلم. أعيرها مصريتي كالعادة، وأسترق السمع والنظر، فلا أرى، بينما تصل إلى أذني زفرات مبحوحة وغمغمات مفجعة. لا أحد يستطيع خرق مجاهلها..أنا لا أنم ليلتها..تنتابني أسئلة كثيرة، لماذا تقوم أمي بهذا الطقس؟ لماذا يظل صوتها شاحبا ليلة كاملة؟ لماذا يعذبها الله؟ ألأنها تتظاهر بحبها له كأمنا الكبيرة التي مازالت بركتها في مصريتي مصريتها؟ كل سؤال تتناسل منه متاهة أسئلة، أتوه في دروبها المعتمة، أنادي، أسترشد بخطاي، فلا صوتي ولا صوت الآخرين، وحدها تلك الغمغمات تسكنني، فأبدو مثل سؤال أضاع علامة هدايته.
سألت أبي فقال: لا تعبأ يا بني، فالطريق صعبة، وسألت دربنا فقال: أمك صالحة، وهذه وسوسة الشيطان، سألت فقيه المسجد صبيحتها فقال: بدع، وكل بدعة في النار، سألت أستاذي فاكتفى بالتشدق والسخرية، فلم أفهم. لكن أمي لا تبيع جسدها أو تشتري أعراض الناس بآيات قليلة..كل اللاءات لم تقنعك بما يقع. فأزحت همومي. وتحمست لمجلس أمي وباركته، خصوصا أن "شوق" بنت جارتنا تواظب على الحضور، وعندما تختنق تتسلل من المجلس خفية وتجالسني فوق. نضع رأسا لرأس ونشاهد ما نشاهد. وينقبض قلبها ثم يرتجف، فأحميها من الخوف الذي يعمني. أمسح دمعتها التي لا أقدر عليها، فأمي تقول "إن الرجال لا يبكون" كان بكائي داخليا، و"شوق" تخرجه بصمت.. تجترح أنفاسي فأكاد أتقيأ لكنها تؤجل كل شيء.

هاتف
يرن الهاتف بقوة، يرن، عيني لا ترمق حركة سوى السواد، آه الليل، أتوه في مسافة لامتناهية، أعثر على ضوء بعيد، أنهض من جديد، لكن سرعان ما تتسع المسافة فأسقط على أوراقي المبعثرة، أحبو ببطء، هناك يرن، يعوي، يصرخ.. أصل إليه، الساعة الآن السابعة صباحا.
طيران
أصبت بنوبة أرق حاد، جسدي منهمك، الجزء الوحيد الذي لا يركع هو الرأس، كلما تحايلت على جفوني لأنام ، اشتعل بريقهما.. أنام أخيرا بضع دقائق، في بضع دقائق هاته، أحسست أن قوى خفية تحملني بقوة وترميني إلى هوة سحيقة، أنهض مفزوعا، أجد نفسي هناك أمام الهاتف ملقى.
خبر
في الليل أحمل نفسي وألقي بها على الوسادة، أدون يومياتي، أحس بدوران مفاجئ، أتناول حبة أسبرين وأنبطح في وضع مغاير لأنهي اليوم، يرن الهاتف، قرأت يومياتك إنها مقرفة.
ليل
أتسكع في دروبي المعتمة، أميل إلى علبة ليلية، أشاهد قامات مختلفة، تتزيا بأشهر الماركات العالمية، أتلك الماركات تتناسب وتفكير الذي يحمله، ربما هو افتراض مباغت، تكاد حمرة عيني تلتهم هذا البياض، أحس باهتزاز على مستوى الفخذ، أنير جهازي لأرد، يداهمني النادل، ممنوع استعمال الهاتف المتطور.
متاهة
يصلني رقم غريب، هو بعيد كل البعد عن موطني، أجيل النظر بعيدا، أقلب كلماته، أعيد تركيبها، يجيبني الوداعا الوداع.
مكالمة
في الثانية عشر ليلا يتصل بي صديقي: أنا في المحطة، أيقظت أمي لتجهز لنا وجبة خفيفة، بسرعة استقلت أقرب طريق، فوصلت، أتصل مجددا بالصديق، قال: كانت مزحة، قررت ألا أعود ليلتها إلا المنزل.
سفر
كانت المسافة بعيدة بين المحطتين، تجشمت المسافة ليلا، ووصلت إلى ذاك المكان البعيد، اتصلت بأحد المعارف الافتراضيين، اكتشفت أنه صاحبني نصف المدة.









